يزيد بن محمد الأزدي

3

تاريخ الموصل

[ المجلد الأول ] بسم الله الرحمن الرحيم الحمد للّه ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ، ومن دعا بدعوته واهتدى بهديه إلى يوم الدين ، وبعد . فإن علم التاريخ يحتل مكانا صدرا في منظومة العلوم التي تشكل المعرفة الإنسانية عبر مسيرتها الطويلة ، ومن الأمور التي يمكن أن يستدل بها على أهمية علم التاريخ وتميز مكانته ، أن المؤلفات التاريخية - في الشرق والغرب على السواء - تشغل نسبة عالية فيما تخرجه المطابع إلى الناس من كتب في مجالات المعرفة المختلفة . ويذكر د / حسين مؤنس - رحمه الله - أنه إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى كانت المؤلفات في التاريخ ، وما يتصل به من : تراجم ، وقصص تاريخي ، وآثار ، وسياسة ، ومذكرات - تكوّن خمس المكتبة العالمية « 1 » . وتلك الحفاوة بعلم التاريخ ، والإقبال على التصنيف فيه ، ومتابعة ما تنتجه أقلام المؤرخين - نزعة عالمية لا تشذ عنها أمة من أمم الإنسانية ، ولا تتخلف عنها حضارة من الحضارات . ولم تكن الأمة العربية في حفاوتها بالتاريخ وإقبالها عليه بدعا من الأمم ، فلا جرم كان العربي مشغوفا بقراءة التاريخ ، يقضي في مطالعة أسفاره شطرا من النهار أو جزءا من الليل ؛ تحدوه الرغبة في التماس الحكمة والموعظة من أحداث التاريخ . والحكمة هي الفهم الصادق والفقه الصحيح بالكون والحياة ، وهي الغاية الأخيرة من كتابة التاريخ ومطالعة أسفاره . وقد عرف العربي القديم لعلم التاريخ أهميته وخطورته ، وأدرك أن ( الحكمة العميقة ) التي يستفيدها من قراءة مصنفات التاريخ ، ومتابعة أخبار الأمم الماضية - أمر لا يمكن الاستغناء عنه لمن أراد أن يرقى في الحياة رقيّ العظماء والعباقرة ؛ فسيرتهم نور يستهدى به ، وأخطاؤهم التي وقعوا فيها أجراس التحذير والتنبيه ، وفضائلهم وأعمالهم الكبرى هي الثريا تتعلق بها الهمم . ومعظم ملوك المسلمين ، وأولهم معاوية بن أبي سفيان ، وعبد الملك بن مروان - كانوا مشغوفين بأخبار الماضين تقرأ عليهم أخبار الأولين وسيرهم ساعة من الليل .

--> ( 1 ) ينظر : التاريخ والمؤرخون ، دراسة في علم التاريخ ، دار المعارف ، ص ( 11 ) .